أبي منصور الماتريدي
322
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الأعداء بالغرق ، وهم قوم فرعون وقوم نوح - عليه السلام - وأهلك بعضا منهم بالرياح ، واتخذها جنودا عليهم ، وأهلك بعضهم « 1 » بالخسف ؛ فيكون في هذا إيجاب المراقبة من حلول النقمة والسخطة . وقوله - عزّ وجل - : وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ : جائز أن يكون منصرفا إلى السقر أنها ذكرى للبشر ، أي : موعظة وتذكيرا لهم ما إليه مرجع أمورهم . وجائز أن يكون منصرفا إلى عدة الملائكة . وقوله - عزّ وجل - : كَلَّا : قيل : حقّا . وقيل : هو على الردع والتنبيه . وقوله - عزّ وجل - : وَالْقَمَرِ . وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ . وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ فهذا في موضع القسم ؛ وقد ذكرنا أن القسم ؛ لتأكيد ما قصد إليه بالذكر ، وإدبار الليل بمجيء النهار ، فجائز أن يكون ذكر آخر الليل يقتضي ذكر أوله ، وذكر أول النهار يقتضي ذكر النهار كله ؛ فيكون القسم بهما قسما بالليل كله ، والنهار كله . ثم الليل إذا أقبل عملت ظلمته في ستر الأشياء كلها بساعة لطيفة ، وكذلك النهار إذا أقبل عمل في دفع الظلمة عن الخلائق جملة بساعة لطيفة ما لو اجتهد المرء في جميع عمره - وإن طال - على عد تلك الأشياء ؛ ليحيط علما بجملتها ، لم يتمكن منه ، وإذا كان لليل من السلطان ما ذكرنا ، ولإقبال النهار من الأمر ما ذكرنا ، وكان الذي ذكرنا أمرا مشاهدا معاينا ، ولو أريد معرفة ما فيهما من الحكمة : أنه لأي معنى ما صلح أن يكون الليل ساترا عن درك أعين الأشياء ، واستقام أن يكون النهار مزيلا للستر ؟ لم يقدر عليه ؛ فيكون فيه إبانة أنه لا يجب إنكار كل ما لا يوصل إلى درك الحكمة فيه بالعقول والآراء ؛ فيكون فيه إيجاب التصديق بالأنباء التي يأتي بها الرسل ، وإن كان فيها ما لا يوقف على الحكمة المجعولة فيها بالآراء . وفيه أن منشئ الليل والنهار واحد ، وأن الخلائق بجملتهم تحت سلطانه وتدبيره ، يحكم فيهم ما يشاء ، ويفعل ما يريد . وجائز أن يكون القسم منصرفا إلى الوقتين اللذين وقع عليهما الذكر ، وهما إدبار الليل ، وإسفار الصبح ؛ فيكون فيهما ما في الأول .
--> ( 1 ) زاد في ب : منهم .